الفيض الكاشاني
17
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
المشاهدة أو شك أن تنحل القوّة الوازعة ، ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استحقر الصغائر من نفسه ، ولذلك يزدري الناظر إلى الأغنياء نعمة الله عليه فيؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده ، ويؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أتيح له من النعم ، فكذلك النظر إلى المطيعين والعصاة وهذا تأثيره في الطبع ، فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال الصحابة والتابعين في العبادة والتنزّه عن الدّنيا فلا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار ، وإلى عبادته بعين الاستحقار ، وما دام يرى نفسه مقصّرا ، لا يخلو عن داعية الاجتهاد رغبة في الاستكمال واستيمالا للاقتداء ، ومن نظر إلى الأحوال الغالبة على أهل الزّمان وإعراضهم عن الله ، وإقبالهم على الدّنيا ، واعتيادهم للمعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه ، وذلك هو الهلاك ، ويكفي في تغيير الطبع مجرّد سماع الخير والشرّ فضلا عن مشاهدته . وبهذه الدقيقة يعرف سرّ قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « عند ذكر الصالحين تنزل الرّحمة » ( 1 ) فإنّما الرّحمة دخول الجنّة ولقاء الله وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن سببه وهو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف ممّا هو ملابس له من القصور والتقصير ، ومبدء الرحمة فعل الخير ، ومبدء فعل الخير الرّغبة ، ومبدء الرغبة ذكر أحوال الصالحين ، فهذا معنى نزول الرحمة ، والمفهوم من فحوى هذا الكلام عند الفطن كالمفهوم من نظمه وهو أنّ عند ذكر الفاسقين تنزل اللَّعنة لأنّ كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي ، واللَّعنة هو البعد ومبدء البعد من الله المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة والشهوات الحاضرة لا على الوجه المشروع ، ومبدء المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب ، ومبدء سقوط ذلك وقوع الأنس بها بكثرة السماع وإذا كان هذا ذكر حال الصالحين والفاسقين فما ظنّك بمشاهدتهم ، بل قد صرّح به رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم
--> ( 1 ) ما عثرت على أصل له وانما ذكره ابن الجوزي في مقدمة صفوة الصفوة من كلام سفيان بن عيينة راجع الموضوعات الكبير لملا على القاري ص 83 .